ملا نعيما العرفي الطالقاني
125
منهج الرشاد في معرفة المعاد
فلذلك لا يتطرّق إليها الفساد مع أنّ الحقّ المفيض لها فيّاض على الإطلاق لا ينقطع فيضه عمّا هو مستعدّ له . ألا ترى أنّ موادّ أجسام هذه النشأة كلّما كانت أقرب إلى الكثافة كانت أقرب إلى قبول التغيّر والفساد ، وأشدّ استعدادا لقبول الصور المتبدّلة المتبدّدة الكائنة الفاسدة ، كما في العنصريّات . وكلّما كانت أقرب إلى الصفاء واللطافة كانت أبعد من الفساد وأكثر استعدادا للصور الكاملة التامّة [ الآبية ] « 1 » عن التغيّر والزوال ، كما في الفلكيّات وموجودات عالم البرزخ والمثال ، وكذلك صورها كلّما كانت أتمّ وأوفر حظّا من الوجود وأكمل آثارا ، كانت أحفظ وأبعد من الفساد ومن طروء « 2 » الضدّ عليها ، كما في هذه أيضا ، وكلّما كانت أقلّ قسطا من الوجود وأنقص آثارا كانت أقرب إليه ، كما في الحوادث الكائنة الفاسدة أيضا ، وهذا هو القول في الجسمانيات من موجودات النشأة الاخرويّة ، على أنّ كثيرا منها ممّا ليست لها مادّة بل هي روحانيات مجرّدة عن الموادّ كالسعادات الروحانيّة العقليّة ، وكذا الشقاوة الروحانيّة ، فإنّها إدراكات روحانيّة ، مدركاتها مجرّدات عن الموادّ ، كذا المدرك لها . والمجرّدات لا يطرأ عليها الفساد ، حيث إنّ الفساد تابع لوجود مادّة تقبله كما هو المقرّر عندهم والمفروض هنا عدم المادّة وأنّ صورها ذواتها ولا ضدّ لها . ألا ترى أنّ المعاني الكلّية حيث كانت مجرّدة عنها ، كانت دائمة أبدا غير هالكة مطلقا ، وكذا الأعيان المجرّدة كالعقول لو قلنا بها كذلك أيضا ، إذ لا مادّة لها وصورها ذواتها ولا ضدّ لها وسيأتي تمام تحقيق ذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . وكذلك كثير منها مخلوقة بلا مادّة وحادثة من غير مدّة ، بل بمحض التصوّر ومجرّد التخيّل ، كما شهدت به الآيات والأخبار ، قال تعالى : « لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ » . « 3 » « لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ » . « 4 » وهذا - واللّه أعلم - إمّا مبنيّ على ما ذكره بعض الحكماء من أنّ اللّه تعالى خلق النفس الإنسانيّة مجرّدة عن المادّة وجعل لها اقتدارا على إبداع الصور الغائبة عن الحواسّ بلا مشاركة الموادّ ، وأن ليس ذلك بممتنع كما في إنشاء الإبداعيات عندهم ، فعلى هذا
--> ( 1 ) - هنا كلمة لا تقرأ . ( 2 ) - يس : 57 . ( 3 ) - الظاهر من طروّ . ( 4 ) - الزمر : 34 .